الشيخ محمد رشيد رضا

143

الوحي المحمدي

المقصد الثاني من مقاصد القرآن : بيان ما جهل البشر من أمر النبوة والرسالة ووظائف الرسل كانت العرب تنكر الوحي والرسالة إلا أفرادا من بقايا الحنفاء في الحجاز وغيره ، ومن دخل في اليهودية والنصرانية لمجاورته لأهلهما ، وكانت شبهة مشركي العرب وغيرهم على الوحي استبعاد اختصاص اللّه تعالى بعض البشر بهذا التفضيل على سائرهم ، وهم متساوون في الصفات البشرية بزعمهم ، ويقرب منهم اليهود الذين أنكروا أن يختص اللّه تعالى بهذه الرحمة والمنة من يشاء من عباده ، وأوجبوا عليه أن يحصر النبوة في شعب إسرائيل وحده ، كأن بقيّة البشر ليسوا من عباده الذين يستحقون من رحمته وفضله ما أعطاه لليهود من هداية النبوة . على أنهم وصفوا الأنبياء بالكذب والخداع والاحتيال على اللّه ومصارعته ، وارتكاب كبائر المعاصي - كما تقدم في المقصد الأول - ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم ؛ وأثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من الباباوات والعباد ، وعبدوهم أيضا ، على أنهم نقلوا عن بعض خواص تلاميذه إنكارهم إياه في وقت الشدة ، وعن بعضهم أنه أسلمه لأعدائه ، وأنه لعن أكبرهم وسماه شيطانا ، وأنه قال لهم : « كلكم تشكون فىّ هذه الليلة » ، واتخذ كل من الفريقين أحبارهم ورهبانهم وقساوسهم أربابا من دون اللّه تعالى بأن نحلوهم حق التشريع الديني من وضع العبادات والتحليل والتحريم « 1 » ، وكل ذلك من الكفر باللّه وإنكار عدله ، وعموم رحمته وفضله ، ومن مفسدات نوع الإنسان ، وجعل السواد الأعظم منه مستعبدا لأفراد من أبناء جنسه ، فأبطل اللّه تعالى كل ذلك بما أنزله من كتابه على خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وسلّم . 1 - بعثة الرسل في جميع الأمم ووظائفهم : قال اللّه عزّ وجلّ : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [ النحل : 36 ] ، وقال : إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [ فاطر : 24 ] ، وكرّم اللّه الإنسان وجعل التشريع الديني من حقوقه وحده ، وإنما النبيون والرسل مبلغون عنه وليسوا بمسيطرين على الأقوام ، وطاعتهم تابعة لطاعته ، فقد أبطل ما نحلهم الناس من ربوبية التشريع ، كما أبطل عبادتهم

--> ( 1 ) راجع تفصيل هذا في ( ص 263 ) من الجزء العاشر ، تفسير المنار .